ابن الجوزي
34
صفة الصفوة
استظل تحتها . فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته وأمر بذلك الطعام فأتي به . وأرسل إليهم فقال : إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش وأنا أحب أن تحضروه كلكم ولا تخلفوا منكم صغيرا ولا كبيرا ، حرا ولا عبدا ، فإن هذا شيء تكرمونني به . فقال رجل : إنّ لك لشأنا يا بحيرا . ما كنت تصنع بنا هذا فما شأنك البوم ؟ قال : فإني أحببت أن أكرمكم فلكم حق . فاجتمعوا إليه وتخلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه ليس في القوم أصغر منه في رحالهم تحت الشجرة ، فلما نظر بحيرا إلى القوم فلم ير الصفة التي يعرف ويجدها عنده ، وجعل ينظر فلا يرى الغمامة على أحد من القوم ، ورآها متخلفة على رأس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال بحيرا : يا معشر قريش لا يتخلفنّ أحد منكم عن طعامي . قالوا : ما تخلف أحد إلا غلام هو أصغر القوم سنا في رحالهم . فقال : أدعوه فليحضر طعامي فما أقبح أن يتخلف رجل واحد مع أني أراه من أنفسكم . فقال القوم : هو واللّه أوسطنا نسبا وهو ابن أخي هذا الرجل ، يعنون أبا طالب ، وهو من ولد عبد المطلب ، فقال الحارث بن عبد المطلب : واللّه إن كان بنا للؤم أن يتخلف ابن عبد المطلب من بيننا . ثم قام إليه فاحتضنه وأقبل به حتى أجلسه على الطعام ، والغمامة تسير على رأسه ، وجعل بحيرا يلحظ لحظا شديدا ، وينظر إلى أشياء في جسده قد كان يجدها عنده من صفته ، فلما تفرقوا عن طعامهم قام إليه الراهب فقال : يا غلام أسألك بحق اللات والعزّى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : لا تسألني باللات والعزى ، فو اللّه ما أبغضت شيئا بغضهما . قال فباللّه إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ، قال : سلني عما بدا لك . فجعل يسأله عن أشياء من حاله حتى نومه ، فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يخبره فيوافق ذلك ما عنده ، ثم جعل ينظر بين عينيه ، ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على الصفة التي عنده ، فقبّل موضع الخاتم وقالت قريش : إن لمحمد عند هذا الراهب لقدرا ، وجعل أبو طالب لما يرى من الراهب يخاف على ابن أخيه ، فقال الراهب لأبي طالب : ما هذا الغلام منك ؟ قال أبو طالب : ابني . قال : ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا . قال : فابن أخي . قال فما فعل أبوه ؟ قال : هلك وأمه حبلى به ، قال : فما فعلت أمه ؟ قال : توفيت قريبا . قال : صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلده وأحذر عليه اليهود ، فو اللّه لئن رأوه وعرفوا منه ما